سورية ” الكيان الثقافي المنكوب” إلى أين ؟

 

PowerPoint Presentation

 

لم يُستثن التراث الثقافي السوري من تأثيرات الأحداث الراهنة التي انطلقت كحراك شعبي مدني. ولعوامل عديدة تحوّل السجال السياسي إلى مواجهات عسكرية ومعارك مستمرة بين قوى عسكرية تابعة للحكومة السورية وقوى عسكرية معارضة. حيث أن سورية تحتوي تراثاً ثقافياً هاماً وآثاراً لحضارات إنسانية قديمة تَظهر في المدن التاريخية والمواقع الأثرية المنتشرة على مساحة سورية كاملة.

تتزايد حجم الأخطار التي تهدّد هذا التراث لعدّة أسباب:

أوّلها تحوّل بعض المواقع إلى ساحات للمعارك و الاستهداف المباشر بالقصف أو التفجير بحجج من قبل الطرفين بغرض تحقيق انتصار لحظي على حساب التراث الثقافي مع كثافة استخدام شتى أنواع الأسلحة الثقيلة من جميع الأطراف المتنازعة، وإن كانت القوى العسكرية الحكومية في معظم مراحل الصراع هي من تملك الأسلحة ذات القدرة التدميرية الأعلى.

وثانيها إن عدم الاكتراث لأهمية هذا التراث إلا من منطلق المكاسب أو الغنائم من قبل أطراف الصراع على اعتبار عدم وجود أيديولوجية أو إرادة سياسية تتجه نحو التدمير المقصود له.

وثالثها: أهميته كمواقع استراتيجية دفاعية و تجمّع لقوات عسكرية ومتاريس أو تجميع ذخيرة لدى معظم الأطراف التي تتصارع على الأرض حتى لو كانت قيادتها تعبّر عن غير ذلك !! حيث دائماً ما يكون السبب المباشر لذلك هو الموقع الإستراتيجي لكثير من المواقع الأثرية ووقعها حبيسة المعارك المتوالية التي تقع في حرمها أو حواليها. إلى جانب غياب المؤسسات الحكومية في كثير من محاور الاشتباك وضعف إمكانياتها في أماكن سيطرة الحكومة وخارجها بطبيعة الحال.

لا ننسى الجانب العقائدي الذي يشكل خطراً كبيراً في أماكن سيطرة قوى المعارضة و التيارات الإسلامية المتشدّدة وخاصة “تنظيم الدولة الإسلامية”. كذلك هنالك عمليات التزييف والتزوير التي تلقى رواجاً خاصة في التماثيل القديمة والفسيفساء. كذلك وفرت الفوضى التي تعيشها سورية بيئة خصبة تعمل فيها مافيات الآثار الدولية وشبكاتها و اللصوص المحليين. .

حذرت منظمات دولية عالمية وأهمها “اليونيسكو (UNESCO) والمجلس العالمي للمتاحف (ICOM) والمركز الدولي لدراسة صيانة وترميم الممتلكات الثقافية (ICRROM)” ومنظمة الدرع الأزرق “BLUE SHIELD” من تزايد أعمال التدمير والسرقة التي يتعرض لها التراث الثقافي السوري، خاصة مع آخر إحصائيات صادرة عن المديرية العامة للآثار والمتاحف التابعة للحكومة السورية بأن أكثر من 450 موقعاً أثرياً تعرض لانتهاكات كثيرة ومتفاوتة بين تدمير جزئي وكلي وعمليات سرقة ونهب . مما دفع المنظمات للدعوة لصّون التراث الثقافي السوري، منبهة من مخاطر التصدير غير المشروع للممتلكات الثقافية، مؤكدة أن تاريخ سورية وحضارتها مركز اهتمام عالمي لكونها حاضرة تاريخية مركزية في تاريخ البشرية ككل.

هذا الواقع الأثري لم يكن فقط وليد المرحلة الراهنة إنما انتقل من حالة الإهمال إلى حالة التدمير، ومن أهم المشاكل التي كانت موجودة “المشكلة القانونية” التي ظهرت أهميتها الآن مع ظهور الحاجة لوجود مساعدات وطاقات كبيرة لحماية الممتلكات الثقافية السورية أو استرداد القطع التي تمت سرقتها. فالعمل على حماية الآثار السورية يعد عملاً جماعياً من كل المنظمات العاملة والمعنية والهيئات والأفراد. ذلك كان يجب أن يبدأ بالمصادقة على الاتفاقيات الدولية التي تسعى لحماية وحفظ التراث الثقافي فالحكومات السورية المتعاقبة صادقت على اتفاقية واحدة فقط وهي اتفاقية لاهاي 1956 بشأن “حماية التراث الثقافي في حالة النزاعات المسلحة” و لم توقع على التعديل الذي حصل عام 1999، و لم تصادق على اتفاقية باربس 1970 ومضمونها “حماية الممتلكات الثقافية وحظر ومنع استيرادها ونقل ملكيتها”، كذلك لم تكن شريكاً في اتفاقية اليوندورا 1995 المتعلقة بالممتلكات الثقافية المسروقة أو التي تم بيعها وتصديرها بطرق غير مشروعة.

من المؤسف أن الحكومات السورية وبعد أكثر من ثلاث سنوات على الأحداث لم تستفد من تلك الاتفاقات الدولية ولم تعمل على المصادقة عليها حتى مع هذا الظرف التاريخي التي يهدد التراث الثقافي السوري لتصبح سورياً “كياناً ثقافياً منكوباً”.

بُذلت خطوات هامة من قبل الجهة الرسمية المسؤولة الممثلة بـ”المديرية العامة للآثار والمتاحف” من عمليات نقل القطع الأثرية الموزعة في المتاحف إلى جهات آمنة، و نقل الوثائق التاريخية الهامة إلى مستودعات خاصة. و لاحقاً عمليات التوثيق و التدريب والتأهيل، و توجيه الأنظار لما يحصل بخصوص التراث الثقافي السوري. لكنها لم تكن خطوات كافية للحد من الأخطار التي يتعرّض لها التراث الثقافي.

وبناءً على ذلك قامت العديد من الجهات غير الحكومية بخطوات أخرى هامة أيضاً من عمليات التوثيق والتحذير من تزايد السرقات والتدمير للتراث وحذرت من تكرار السيناريوهات التي وقعت في العراق و أفغانستان. هنا لا يمكن عرض كل ما تم القيام به في هذه الفترة.

لكن يبقى السؤال الملح: ما العمل مستقبلاً لرأب هذا الصدع والحفاظ على هذا التراث من المستجدات التي يمكن أن تحصل لتجاوز عمليات السرقة والتدمير التي حصلت إذا توقف عدّاد الموت بحق السوريين وبحق تراثهم؟

بالطبع حالياً إنّ إيّ إمكانية للضغط والتأثير على الجهات المتصارعة لاحترام التراث الثقافي قد يؤتي ثماره في الحفاظ على المواقع من التدمير والتخريب والنهب و السرقة. لكن وخارج إمكانية التأثير على عقول الحرب تتجه أنظار المختصين والمهتمين نحو القيام بخطوات أساسية لا تشمل الأنشطة البحثية فقط وإنما نشر الوعي وبناء القدرات لمعالجة تركة الحرب.

من أهم الخطوات تقييم حالة التراث الثقافي من خلال عمليات التوثيق المنهجية عبر إنشاء قاعدة للبيانات تنقسم إلى قسمين الأول متعلّق باللقى والتحف المنتشرة في المتاحف و القطع التي تعود بحسب المواصفات الفنية والتاريخية إلى المواقع الأثرية السورية وتم استخراجها بطريقة غير شرعية. حيث أنه لابد من بناء أرشيف للقطع لإمكانية استعادة ما تم سرقته، حيث تتم آلية التوثيق عبر توصيف حالة الأثر (تاريخه، مادة صناعته، حجمه، وزنه، مقاييسه، الكتابات عليه إن وجدت، الصفات المميزة، مكانه الأصلي، مكان عرضه … وغيرها من البيانات الملحقة) مع وجود صور له من عدة زوايا.

كذلك يجب إعداد قوائم جرد لتلك اللقى الموجودة في المتاحف و تلك التي فقدت من مواقعها الأصلية وقوائم جرد للحفريات. مع التركيز على ربط هذه القوائم مع كل الجهات المعنية داخل سورية من أجل استرجاع أي قطعة سرقت أو قد يتم سرقتها، وربط القوائم أيضاً مع الهيئات والمنظمات المهتمة ومع دول الجوار السوري لضمان الاستعادة لاحقاً.

الجزء الثاني من عملية التوثيق يشمل الانتهاكات التي تتم بحق المواقع الأثرية من تدمير وحفر سري واستغلال المواقع الأثرية كملاذ من قبل السكان أو من قبل الأطراف العسكرية.

تأتي أهمية توثيق الآثار المادية غير المنقولة في المواقع الأثرية لإمكانية الترميم من خلال وجود وثائق وصور ووصف لحال الأثر والأضرار التي تعرّض لها وإمكانية معرفة سبب الانتهاك أو مسببه للملاحقة القضائية حين تطبيق العدالة الانتقالية بشقها القضائي.

يجب تفعيل دور المجتمع المحلي وإشراكه في عملية الحفاظ على تراثه الثقافي كون هذا التراث هو المعبّر المادي عن ماضيه ومصدراً لهويته وخصوصيته الثقافية المحلية، على الرغم من أن تداعيات فهم الماضي بصورة فئوية ضيقة ساهم في الشرخ الاجتماعي الحالي و عمل على تأجيج الصراع أحياناً.

لذا لابد من بناء جسور معرفية بين المجتمع وبين هذا التراث على امتداد رقعة سورية وكذلك العمل على تأهيله ليصبح قادراً على حماية المواقع الأثرية و يساعد كمصدر هام للمعلومات والأحداث التي يمكن أن تجري أو التي جرت في تلك المواقع .

بعد عملية التسجيل والتوثيق تأتي عملية الاستعادة و الاسترجاع التي لابد وأن تأخذ حيزاً كبيراً من الاهتمام مع الأخذ بعين الاعتبارأن أنّ بنية الاستعادة تتعلق بالمشكلة القانونية التي يجب العمل عليهاً، من خلال إصدار قانون للآثار ملائم واستبدال القانون السابق الذي لا يمكن أن يكون كافياً مع كل المستجدات الحالية. ثانياً الاهتمام بالتوقيع والمصادقة على المعاهدات والمواثيق الثنائية (سوريا والدول المعنية وخاصة دول الجوار ) والمواثيق والمعاهدات الدولية المتعلقة بالحفاظ على التراث الثقافي خلال الصراعات بالتعاون مع الأنتربول الدولي ومنظمة الجمارك العالمية.

إن المهمة الأخطر التي تستوجب زمناً ليس بالقليل تتعلق بنشر الوعي التاريخي والأثري من خلال تسليط الضوء على أهمية التراث ضمن المجتمع السوري عن طريق عدة استراتجيات أولها الأنشطة التعليمية و حملات المناصرة والتوعية والبرامج الإعلامية .. وغيرها.

إنّ هذا الوعي هو الذي يشكل الحيز الذي يمكن من خلاله منع تأجج العنف لاحقاً بين الفئات التي كانت على العداء في الماضي. يتم فيه أيضاً تشجيع المشاركة المدنية والتفكير النقدي وتحفيز المناقشات فيما يتعلق بتمثيل الماضي وبتحديات الإقصاء المباشرة الصادرة عن ممارسة الحرب. كذلك يجب تسليط الضوء على أهمية التراث خارج المجتمع السوري عن طريق دعوة المتاحف الكبرى والمكتبات والمعارض العالمية لإظهار أهمية التراث الثقافي السوري وقيمته من أجل التواصل لدرء المخاطر عن هذا التراث ورفع مستوى الوعي العام حول الاحتياجات الواجبة لاستعاده المفقود وترميم الموجود منه. هذا يساعد في الضغط على الأطراف المتصارعة أولاً لغايات إنسانية وإيقاف تدفق الدماء على الأرض السورية وثانياً احترام التراث الثقافي السوري وعدم التعرّض له ومراعاة خصوصيته وأهميته.

من خلال تلك الخطوات والتي لابد من العمل عليها مباشرة وعدم انتظار توقف رصاص المعارك للبدء بها يمكن الحديث عن مساحة للحفاظ على تنوّع التراث الثقافي السوري المادي. هذه المساحة التي تتيح للأطراف المتأثرة بالصراع أن تعبّر عن رواياتها المختلفة بطرق مختلفة ضمن خصوصيتها الثقافية في بوتقة ثقافية سورية مشتركة لا يتم فيها إنكار ثقافة الحرب. حيث أن لحظة التوّقف تتطلب جهداً كبيراً جداً ومضاعفاً لكنها ستعني إعلان معركة ثقافية جديدة لاستعادة الممتلكات الثقافية وعودة الحياة للمواقع الأثرية من خلال عمليات التنقيب والكشف عن ماضي سورية أملاً في تحقيق توازن قائم بين التذكر و النسيان .

 

بقلم: مصطفى سكاف

 

 

المصدر: حكاية ما انحكت

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s