سوريا: حرب ومتاجرة بالإرث الثقافي عبر الإنترنت

1

من بين الإعلانات على إحدى صفحات “فيسبوك” يوجد إعلان وضعه شخص يدعى أبو البراء الرفاعي يقول: “لمن يهمه الأمر: تمثال أثري نادر للملكة صوفيا وعقد قديسي وبعض الأشياء الأخرى . الإتصال عبر وتس اب … ” وتبين المعلومات على الصفحة الشخصية لأبو البراء الذي وضع إشارة تنظيم القاعدة على رأسه، أنه ينتمي إلى صفوف إحدى الكتائب المسلحة في بيبرود. وفي صفحة فيسبوك أخرى كتب الرفاعي في عرضه ” بيع شراء. ذهب وتحف أثار قديمة ,احجار ولوبان”

الإنسانية تخسر آلاف السنين من إرثها الثقافي

يعتبر علماء الآثار سوريا مركزاً من مراكز أقدم الحضارات في التاريخ الإنساني. وتضم ستة مواقع مدرجة على قائمة اليونيسكو للتراث العالمي المهدد بالخطر وهي دمشق القديمة وحلب القديمة وبصرى وقلعة الحصن و موقع تدمر وقرى أثرية في شمال سوريا. وقد أصيبت خمسة منها بأضرارا جسيمة، كما لازالت دمشق القديمة في دائرة الخطر.

تعرضت كافة المناطق الأثرية في سوريا لعمليات نهب وسلب وتدمير همجية ممنهجة. وأشارت جمعية حماية الآثار السورية من مقرها في فرنسا ” أنه قد تم نهب 12 متحفاً من متاحف سوريا ال 36 ” . و ذكرت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية: ” إن تنظيم داعش الإرهابي يجني المزيد من الأموال من خلال بيع القطع الأثرية النادرة لمهربي الآثار من بريطانيا وغيرها من الدول الأوروبية”، موضحة أن تلك القطع الأثرية تتضمن نقوداً ذهبية وفضية تعود للعصر البيزنطي، فضلاً عن قطع فخارية وزجاجية رومانية تصل قيمتها إلى مئات الآلاف من الدولارات ”

تدمير الإرث الثقافي في حمص
تدمير الإرث الثقافي في حمص

د. إيفا زيدان ، خبيرة آثار حاصلة على شهادة الدكتوراه في علم الآثار من جامعة أوديني بإيطاليا ،توضح ل DW عربية “لا أحد يستطيع إعطاء رقم معين أو مقرب عن كمية الآثار المهربة أو المنقب عنها بشكل غير مشروع في سوريا. ففي الحفريات غير المشروعة لا يوجد أي توثيق للقطعة الأثرية وهنا تكمن الكارثة الكبرى” و تضيف د. زيدان ” تتم هذه الحفريات بشكل غير مشروع ويتم تدمير المنطقة الأثرية بأكملها بواسطة الجرافات. بالتأكيد نتكلم عن قيمة أثرية كبيرة لكافة القطع المهربة أو المنقب عنها بطريقة غير مشروعة، و التي تعود لفترات تاريخية مختلفة” وتستدرك قائلة: “طبعاً، يبقى الإنسان هو الأهم، ويجب عدم فصل الجانب الإنساني عن الأثري”

من يتحمل المسؤولية؟

بعد سقوط مدينة تدمر بأيدي تنظيم ” داعش ” المتطرف، وهي المدينة المدرجة على قائمة التراث العالمي ، والمعروفة بأعمدتها الرومانية ومعابدها ومدافنها الملكية التي تشهد على عظمة تاريخها، ازداد القلق العالمي وكثرت الخطابات المتعاطفة ولكن لم تكن متبوعة بأفعال على أرض الواقع.

ويتم تهريب الآثار السورية عبر الأردن التي ظهرت كأول سوق أساسية للقطع الأثرية السورية المهربة. كما تشكل تركيا ولبنان سوقين نشيطين بالإضافة الى بعض الدول الأوروبية بحسب اعترافات إرهابيين لصحيفة واشنطن بوست”. وبذلك تتحمل كل الأطراف الدولية والمحلية مسؤولية دمار هذا الإرث الإنساني . وتؤكد د. كارين بارتل ، رئيسة القسم السوري في المعهد الألماني للآثار، ل DW عربية أنه”منذ بداية الأزمة عام 2011، والتراث الثقافي في سوريا مهدد بشكل خطير. وكانت الحفريات غير المشروعة وأعمال النهب قائمة وبذلك فإن جميع أطراف النزاع مسؤولون عن هذه الخسارة الثقافية الهائلة ”

 

كنيسة الرصافة في محافظة الرقة التي تسيطر عليها "داعش"
كنيسة الرصافة في محافظة الرقة التي تسيطر عليها “داعش”

لا خير في قول بلا فعل

لم تستطع المبادرات أو المنظمات حماية هذا الإرث العريق، كما لم تستطع ضبط عمليات النهب والسرقة والتدمير الذي حل بالمواقع الأثرية في سوريا. اكتفى الجميع بالبكاء على الأطلال و إطلاق الوعود الفارغة. ففي حوار معDW عربية أوضحت د. مارغريت فان إيس ، المديرة العلمية لقسم المشرق في المعهد الألماني للآثار في برلين، ” أن وزارة الآثار في سوريا سعت بالتعاون مع الإدارات الإقليمية لتوثيق الأضرار التي لحقت بالتراث الثقافي والإنساني في سوريا ” غير أنها اعتبرت أن”الحماية الضرورية الفعالة لتلك المواقع لم تكن ممكنة بسبب قربها من مواقع القتال”. وعن نداءات بعض المنظمات العالمية كاليونيسكو، اعتبرت المتحدثة أنها باءت بالفشل بحيث “لم تنجح في حماية هذه المواقع من نيران تنظيم “داعش” والجماعات الجهادية الأخرى ،ولا أيضا من نيران النظام السوري، على حد سواء ” .

وكان الدكتور مأمون عبد الكريم ، المدير العام لمديرية الآثار و المتاحف في سوريا قد صرح أن ” هناك أكثر من 10 آلاف موقع أثري وتنقيب موزعة على مجمل الأراضي السورية، ومن المستحيل تأمين جميع هذه المواقع دون تعاون ومشاركة من أبناء هذه المناطق

مساع غربية أوروبية وبصيص أمل

ورغم ذلك ظهرت منذ عام 2012 العديد من المبادرات الهادفة الى الحفاظ على الإرث الثقافي الانساني في سوريا مثل (جمعية حماية الآثار السورية ) التي تهدف إلى التوثيق, وذلك من خلال البحث وجمع ونشر المعلومات حول الأخطار المحدقة والانتهاكات التي لحقت بالتراث التاريخي والأثري في سوريا. ثم ( مبادرة التراث السوري ) وهي مبادرة دولية تسعى لحشد الجهود و العمل للرد على تدمير الاثار السورية، ومبادرة ( مواقع ومعالم التسجيل لسوريا “جامعة دورهام ” ) وهي مبادرة من قبل مجموعة من علماء الآثار و الفن و تاريخ الشرق الأدنى القديم تسعى للتوثيق بهدف حماية التراث، إضافة إلى ( مشروع أرشيف التراث السوري ) الذي يقوم به المعهد الألماني للآثار بالتعاون مع متحف الفن الإسلامي في برلين أو مبادرة ( جمعية التراث من أجل السلام ) وغيرها.”

المدينة الأثرية تدمر
المدينة الأثرية تدمر

كما توضح د. فان إيس ل DW عربية “إنهذه المبادرات تركز على مهام معينة، مثل تقييم الأضرار التي لحقت بالمواقع الاثرية و ذلك من خلال الاستعانة بالأقمار الصناعية عالية الدقة بالإضافة إلى القيام برصد السوق الدولية للآثار والأعمال الفنية ، وترقيم البيانات البحثية المتعلقة بالآثار وبتاريخ المنطقة. الغاية من ذلك هي إنشاء سجل للمواقع الأثرية في سوريا و التخطيط لإعادة إنعاش المنطقة في المستقبل وإعادة ترميم ما دمر من المناطق الأثرية القديمة، وخصوصاً في مدينة حلب الأكثر تضرراً”.

وقد أطلقت منظمة اليونيسكو حملة ( متحدون – مع- التراث ) تهدف إلى حشد الدعم الضروري لحماية التراث في المناطق المهددة من قبل الطرفين. وقد طالب البيان الختامي للمؤتمر الذي تم عقده قبل أيام في العاصمة الأردنية من قبل منظمة اليونيسكو بدعوة ومشاركة من الحكومة السويسرية مجلس الأمن الدولي بضرورة إصدار قرار دولي يقضي “بإعادة جميع القطع والممتلكات الأثرية السورية التي سرقت خلال الأزمة المستمرة في كافة المناطق السورية” .

المصدر: دويتشه فيلله

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s