تدمر السورية حاضرة الأساطير الألف: لؤلؤة زنوبيا في قلب الصحراء

p5

روت لي والدتي أنّ آخر رحلة جمعتنا أنا ووالدي قبل اعتقاله عام 1986 لمدّة اثني عشر عاماً لعضويته في حزبٍ سياسي معارض كانت إلى مدينة تدمر. لاحقاً عام 2008 روى لي والدي حين قصدنا المدينة مرّة أخرى وأمطرت سماء تلك الصحراء فوق رؤوسنا أنّها أمطرت كذلك في المرّة الأولى التي زرناها سويّاً.

ما بين الزيارتين اثنان وعشرون عاماً وذاكرة مُرّة لم تزدها صور الماضي ومملكة «زنوبيا» إلاّ ثقلاً. المَمْلكة التي هزمت الفرس وحاربت الرومان في القرن الثالث الميلادي. في التاريخ المدرسي يحكون لنا الحكايات الجميلة عن الزمن القديم. عن الحضارات العظيمة التي قامت فوق تراب أرضنا، عن الواحة الخضراء وسط الصحراء، إذ تتوسط تدمر بادية الشام، وتقع على بعد 243 كيلومترا من دمشق و 150 كيلومترا من حمص شرقاً، فأصبحت بذلك استراحة المسافر بين العراق والشام، ومحطة للقوافل بين الخليج العربي وبلاد فارس والبحر الأبيض المتوسط.

يقولون لنا عن الحضارة التي شهدتها مدينة «بالميرا» حيث ضمّت من المعابد والأوابد أكثر من ثمانية عشر معلماً أثريّاً، كمعبد «بل» و»نبو» و»اللات» وعن مسرحها وكنائسها، وأعمدتها التي تنوف عن الألف وعن أسطورة ملكتها «زنوبيا» حتى أنّ الدراما السورية لم تبخل علينا في بداية ثورتها الصناعية بمسلسل «العبابيد» من إخراج بسام الملاّ الذي أدّت فيه رغدة دور الملكة العظيمة. ومن جهتها أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «اليونيسكو» آثار تدمر على لائحة التراث العالمي للإنسانية.

لكنهم لم يقولوا لنا عن الذي يُخبئه التراب، لم يقولوا لنا عن أرواح القتلى التي تصعد في الليل وتجوب المدى من حول سجن تدمر، لا تنقر على الأبواب، لا تلاحق قتلتها، بل تتربص بأنين قالوا لنا أنّه صوت الريح.

لؤلؤة الصحراء وصمت سوريا… مدينة صنعها وقتلها موقعها الجيوسياسي 

لكونها واحة نخيل في صحراء طرق التجارة فقد ربحت تدمر الكثير وخسرت أكثر. خاصة بعد أن انتقل إليها دور «البتراء» التجاري الذي سقط مع انهيار دولة «الأنباط» عام 106، ثمّ اكتسبت في عهد الامبراطور الروماني «هادريان 117-138» وضع المدينة الحرّة، الذي يؤهلها لسن قوانينها وتحديد رسومها. فنشطت تجارياً واقتصادياً ومعمارياً.

لكن الأمور لم تلبث أن انقلبت مع صعود السلالة الساسانية في فارس ووصولها إلى الفرات عام 228، حيث فقدت تدمر سيطرتها على الطرق التجارية المارة في شط العرب والخليج العربي، وتراجعت أحوالها إلى أن قام حاكم الولاية الملك العربي «أذينة» الذي بدأ حكمه عام 258 بقهر الفرس، ورد قواتهم مرتين إلى عاصمتهم المدائن «طيسفون» في عامي 262 و267.

حكمت «زنوبيا» بعد مقتل زوجها «أذينة» وولي عهده في ظروف غامضة، كوصيّة على ولي العهد، وكانت محاربة وسيدة حكم، فشنت معارك التمدّد لمملكة «تدمر» واحتلت بلاد الشام وبعضاً من مصر والأناضول «آسيا الصغرى» وطبعت عملة على أحد أوجهها صورة ابنها «وهب اللات» وأبقت صورة الامبراطور الروماني على الوجه الثاني، لكنها في هذا فرّقتها عن باقي نقود الامبراطورية، كلّ هذا وضعها في حالة صدام مع الامبراطور الروماني «أورليانوس» الذي قاد جيوشه لمحاربة الحاكمة التي ترتدي خوذة «أبوللو» وهي تقود جيوشها، سقطت تدمر بيد «أورليانوس» عام 272، وأسر «زنوبيا» وبقي مصيرها مختلفاً عليه بين الباحثين.

في مملكة تدمر لم تُبن أهرامات تحفظ جثث الملوك، بثمنٍ هو أرواح آلاف العبيد، بل بُنيت مملكة من المحاربين. ثمّ انهارت المملكة التي يُفترَض أنّ معنى اسمها هو «البلاد التي لا تقهر» في اللغة الآرامية وهي لغة السيد المسيح ولغة المنطقة وسكانها القدماء، ولم تنهض. إذ لم يكن من مصلحة أحد من دول الجوار أن تعاود الوقوف على قدميها، بل فضّل الحكام المتلاحقون أن تصير مدفناً عميقاً للأسرار، كما كانت. وتحوّل اسمها إلى مدينة «النخيل- بالميرا» الذي يرد أنّه ظهر للمرّة الأولى على مخطوطة يعود تاريخها إلى القرن التاسع عشر قبل الميلاد. فبقدر عظمة أوابدها وضخامة هذه الأوابد، وهي من الآثار القليلة المتبقيّة في سوريا التي تذكّر بعظمة الإنسان في تحديّه للحجر، والزمن من حيث الضخامة. إذ تُلحظ هذه الضخامة في آثار أوروبا من إيطاليا إلى إسبانيا، في قلاعهم وكنائسهم وأسوارهم وجسورهم، في حين تتميّز آثار المنطقة بْعلميتها- إن جاز لي القول وأنا لست الخبيرة في الآثار- في نواعيرها وسواقي مياهها- التي كانت من أوّل نظم الري التي عرفها التاريخ- وفي عمارتها التي اهتمت بالشمس والضوء أكثر من اهتمامها برفع الأسوار عالياً.

انتقلت التجارة إلى «طريق الحرير» وإلى مدن أخرى، وتحوّل رسم الخريطة وغيّبت تدمر، سوى كمقصدٍ للسيّاح بعد كتابات المستشرقين من أمثال كتاب «أطلال تدمر» الذي نشر بالفرنسية والانكليزية عام 1753، وغدت حكاية تداعب خيالات الكتاب بأسطورة ملكتها ومعاركها وسقوطها مفتوح النهاية. لكن اليوم عادت المدينة التي يسكنها مع ضواحيها قرابة السبعين ألف نسمة إلى الخريطة الإعلامية والأضواء بعد أن سقطت بيد مقاتلي التنظيم الجهادي التكفيري الذي يُسمّي نفسه «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام « في العشرين من أيار/مايو 2015.

p2

تدمر ـ سجن الرعب

لم أهتم بآثار تدمر ولا بملكتها، ولم أرغب حتى في زيارتها يوماً، فتدمر في عينيّ ليست مدينة ولا حضارة، بل سجنا من الرعب. فحين كان المراهقون يقرأون عن أسطورة «زنوبيا» كانت تجول في خاطري حكاية رواها معتقل سياسي سابق عن السجين الذي أُجبرَ على ابتلاع جرذ على قيد الحياة، وسترافقني إلى الأبد صورة ذيل الجرذ في فم المعتقل كما رواها الراوي في حديث كنت على هامشه ولم أبلغ السادسة عشرة بعد. وأعترف أنّي لم أقرأ رواية «القوقعة» وربما لن أجرؤ يوماً على أن أفعل.

في روايته الصادرة عام 2008 عن دار «الآداب» يتحدّث المعتقل السابق في سجن تدمر مصطفى خليفة عن أنواع تعذيب وحشيّة، وعن الحياة حين يغدو الموت أمنيّة كما عبّر محمد برّو الذي قضى في هذا السجن ثلاثة عشر عاماً، ويعمل حالياً مديراً لمركز «صدى» للأبحاث في تركيا، واعتقل بتهمة الانتماء إلى مجموعة «الطليعة المقاتلة» عام 1980، وإنه خلّد في ذاكرته أنّ يوماً في السجن يوازي الموت عشرات المرات.

لكن الحادثة الأبرز ستبقى «مجزرة سجن تدمر» التي وقعت فجر يوم 27 حزيران/يونيو 1980. لا أحد يعلم حقيقة ما حدث، ككل ما حدث في سوريا منذ السبعينيات وحتى 2011، لكن تقارير المنظمات الحقوقية كمنظمة «العفو الدوليّة- أمنيستي» و»هيومن رايتس ووتش» التي استندت إلى تقارير وشهادات ناجين تروي أنّ إنزالاً بالطائرات تمّ فوق فضاء باحات السجن في ذلك الفجر، لعناصر من وحدات «الكوماندوس» التابعة آنذاك لسرايا الدفاع التي كان يقودها رفعت الأسد وفتحت أبواب الزنازين على المعتقلين وأردتهم بالرصاص إعداماً ميدانياً، بما اعتبر رداً على المحاولة الانقلابية التي تحرّك بشأنها الإخوان المسلمون في سوريا وقتها.

كُتب الكثير عن فظاعات السجن وانتهاكات حقوق الإنسان الهائلة التي وقعت فيه، والتي يرقى بعضها لأن يكون جريمة ضدّ الإنسانيّة كما «مجزرة سجن تدمر» يمكن للمحكمة الجنائية الدوليّة أن تنظر فيها، علماً أنّ التعذيب بذاته جريمة ضدّ الإنسانيّة، لكن وبرغم كلّ ما كتب فالصحراء قد أجبرت على إخفاء جثامين الضحايا الذين قتلوا في المجزرة (تتراوح الأرقام بين 200 و1100 قتيل) أو قضوا تحت التعذيب في «سجن الرعب» أو سجن «لؤلؤة الصحراء» الذي افتتح عام 1966 ووضع تحت إشراف الشرطة العسكرية والأمن السوري، وبحسب خليفة خُصّص للحُمْر من شيوعيين ويساريين والخُضْر أيّ الإسلاميين.

في الوقت الذي تخوّفت فيه منظمة «اليونيسكو» على آثار المدينة العريقة من وحشيّة وهمجيّة الجهاديين «الدواعش» كان التنظيم يُفجّر مبنى السجن، لم يعلم أحد لماذا، كما ينص تاريخ المدينة على أن تجري الأحداث، هل لديهم فائض سجون؟ أم حقد على جدران ربما حُفِر عليها بدماء بعضهم صور انتهاكات الكرامة الإنسانيّة في سيرورة تحويل المعتقل من إنسان إلى ماكينة قتالية؟ أم هم ينهون ما اعتقدوا أنّه لا يمكن أن يتم سوى «بالكي» كما تقول حكمة الجدّات ونظرية الحاكم الروماني «نيرون»؟!

إذ في بداية تسلم الرئيس السوري بشار الأسد مقاليد السلطة في سوريا عام 2000، أعلن عن إغلاق سجن تدمر رسميًّا، ثمّ أعيد فتحه بعد آذار/مارس 2011، علماً أنّنا لم نستطع التحقق من هذا، لكن نصف الحلول لم تكن يوماً بحلول. فإغلاق هذا المعتقل لا يلغي الجرائم التي وقعت فيه، ولا يُطفئ وجع القلب والروح، وحده إنصاف الضحايا، على الأقل بالاعتراف بهم كضحايا، وهذا ما ترفض الحركة الجهادية رؤيته أيضاً، فتفجير السجن محى الكثير من الآثار، لكنه لم ينبش باطن الصحراء ليدفن الموتى كما يليق بهم، لم ينصب شاهدة على قبر تزوره أم وتصلي لروح ابنها، وسيبقى ربما طويلاً في مدينة الأعمدة الألف ألف روح مُغتالة تجول أوابد الكنائس والمعابد بحثاً عن صلاة وسلام.

بقلم: يارا بدر

المصدر: القدس العربي

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s