هل يرمم الغرب ما ألحقته الفوضى بالآثار السورية من ضرر؟

4

يهتم الغربيون بالحفاظ على الآثار الموجودة في منطقة الشرق الأوسط أكثر من العرب أنفسهم، ويحملون همّ ما تفعله أيادي الدواعش بهذا الإرث الإنساني الذي يوثق لتطور الحضارات البشرية، لكن في المقابل تتزين متاجر “الأنتيكة” في أوروبا بقطع أثرية نفيسة مسروقة من العراق وسوريا وليبيا، وهي دول تعاني من الجماعات المتطرفة التي تكسر التماثيل والأيقونات التي حفظها التاريخ على مر آلاف السنين.

وأبدت فرنسا مؤخرا استعدادها لتدريب علماء آثار سوريين شبان لإعادة ترميم التراث الأثري المشهور عالميا في بلدهم الذي تضرر بسبب الحرب المستمرة منذ خمس سنوات وهو القاسم المشترك الذي ما زال يجمع الأطياف السورية التي أصبحت تفرقها السياسة.

وحذرت ايرينا بوكوفا المديرة العامة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) مرات عديدة من أن عصابات الدواعش تقوم بعمليات تدمير ونهب واسعة النطاق للآثار في سوريا، مؤكدة ضرورة مكافحة تهريب قطع فنية تستخدم في تمويل الجهاديين.

ودعا مأمون عبدالكريم المدير العام للآثار والمتاحف في سوريا خبراء فرنسيين لتقديم تدريب على أساليب الترميم مدته عام للمهندسين المعماريين السوريين.

وعلى إثر زيارة فريق الخبراء الفرنسي قلعة الحصن التي يرجع تاريخها إلى 900 عام ومسجلة ضمن قائمة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) للتراث العالمي الثلاثاء لمناقشة الأضرار وتقديم المشورة، قال جاك سين من المركز الوطني للبحث العلمي في فرنسا “للأسف هناك بالفعل الكثير من العمل يتعين القيام به”.

وأضاف “الترميم يحتاج إلى أساليب فنية وتمويل بالطبع لكن أحد أهم العناصر في أعمال الترميم هو العنصر البشري … يجب أن يتدرب الناس على ما سيقومون به ولماذا سيفعلون ذلك”.

ويتعاون سين مع شركة سوا للاستشارات التي تعمل بالمشروعات الثقافية في مناطق الصراع لتقديم التدريب بالأجزاء التي يمكن الوصول إليها داخل سوريا.

وقال نيكولاس إيدمت من سوا للاستشارات إن الشركة تناقش أيضا كيفية بدء مشروعات للترميم بأجزاء مختلفة من سوريا بالتعاون مع مدير الآثار والمتاحف من بينها تدمر التي وصفتها اليونسكو بأنها أحد أكثر المراكز الثقافية أهمية في العالم القديم.

ونقل مأمون عبدالكريم المدير العام للآثار السوريّة آلاف القطع الأثرية من مدينة تدمر ومواقع تاريخية أخرى إلى مناطق آمنة.

 

الروس يسبقون الفرنسيين

وسبق الخبراء الروس زملاءهم الفرنسيين إلى سوريا لتدريب المختصين في الترميم على استخدام معدات روسية الصنع لرصد الألغام والعبوات الناسفة، وعلى وسائل الحماية. ويتوقع هؤلاء الخبراء أن تستغرق عملية إعادة إعمار وترميم آثار مدينة تدمر ما بين خمس وسبع سنوات. هذا التدفق على تدريب المختصين السوريين لإعادة ترميم المواقع الأثرية السورية ناتج عن مدى أهمية الآثار السورية في تاريخ الإنسانية، فهي كتاب مفتوح من حضارات تاريخ العالم في الشرق والغرب.

وتعد هذه الآثار شاهدا على تاريخ حافل يعود إلى أكثر من أربعة آلاف عام، تعاقبت عليها الحضارات البابلية والمصرية والفارسية واليونانية والرومانية، لكنها أصبحت مهددة بالزوال، الأمر الذي دفع منظمة اليونسكو إلى دق ناقوس الخطر للتعبير عن قلقها إزاء الخطر الذي يهدد هذا التراث العالمي.

يذكر أن اليونسكو أرسلت أول بعثة خبراء إلى سوريا في أواخر أبريل الماضي، إذ قام الخبراء بتفقد أنقاض الآثار التي دمرها الإرهابيون ومنها قوس النصر ومعبد بعل شمين، من على مسافة آمنة نظرا لاستمرار الجهود لإزالة الألغام في محيط المعبد.

وتتمثل مهمة بعثة الخبراء في تقييم الحالة العامة لمدينة تدمر وتحديدا تدابير الحماية الواجب اتخاذها على الفور من خلال تقييم الأضرار التي تعرض لها كل من الموقع والمتحف على حد السواء.

وقالت المديرة العامة لليونسكو، إيرينا بوكوفا “تتجسد الأولوية المطلقة في مدينة تدمر بتقييم الأضرار وذلك بهدف تجنب خسارة أي من الآثار خسارة يصعب تداركها”.

وتابعت “لا بد من اتخاذ كل إجراءات الحيطة والحذر والمسؤولية خلال أي عملية مستقبلية في الموقع، ولا يمكن فصل مدينة تدمر عن غيرها من مواقع التراث في سوريا تماما، كما أنه لا يمكن فصل هذا التراث عن معاناة شعبه من نزاع ما زال قائما”.

2

وأوضحت بوكوفا أن الوضع في مدينة تدمر يتطلب تعاونا وتوحيدا للجهود أكثر من أي وقت مضى، الأمر الذي يستدعي وقفة جدية من كل الشركاء، وفي هذا الخصوص ستنظم اليونسكو مؤتمر خبراء دوليّا لمناقشة تدابير الحماية الفورية في مواقع التراث الثقافي في سوريا وذلك في الفترة بين 2 و3 يونيو القادم. وستقدم بعثة خبراء اليونسكو للجنة التراث العالمي تقريرا عن المهام التي أنجزتها وذلك في الجلسة الأربعين للجنة والمقرر عقدها في العاصمة التركية إسطنبول في شهر يونيو، وستتطرق البعثة في تقريرها إلى النتائج التي توصلت إليها، كما ستقدم توصيات خاصة في ما يتعلق بإجراءات الحماية الواجب اتخاذها يدا بيد مع فريق إدارة الموقع بالإضافة إلى غيرهم من الأطراف المعنية.

وأطلقت اليونسكو وعدد من خبراء الآثار والتراث في فرنسا وسويسرا مبادرة مشتركة في صيف عام 2015، تهدف إلى التعرف إلى الاحتياجات المحدّدة للخبراء العاملين في الميدان، لا سيما من حيث الأدوات والمعدات، وذلك بغية تمكينهم من استئناف جهودهم في مجال حماية وصون التراث.

تعرّضت بعض المواقع الأثرية في المناطق الساخنة لأعمال تنقيب غير شرعية وعمليات سرقة وتخريب وتدمير منهجة، ونشطت مافيات تهريب الآثار، كذلك نشطت حركة التزوير، وازدهرت أسواق التجارة بالآثار السورية في كل من تركيا ولبنان.

ويقول مأمون عبدالكريم إن المواقع الأثرية تحولت إلى ساحات معارك بسبب الاشتباكات العنيفة التي تدور رحاها في تلك المناطق، مما أضر بالمباني التاريخية والقلاع الأثرية الثمينة، وتمّ تخريب مواقع أخرى بسبب أعمال التنقيب الهمجي والحفر الشرس، فضلا عن اتساع رقعة التدمير الذي سببته عصابات الآثار المسلحة، ولاسيما في المناطق الحدودية.

وانتشرت أعمال الحفر في منطقة المدافن الجنوبية الشرقية المنقبة في تدمر، وطالت الأضرار المعبد “بل” الأثري. وفي دمشق أصابت قذيفة جدار واجهة مبنى الجامع الأموي من الداخل والذي تكسوه لوحة فسيفساء.

وتعرضت مئذنة الجامع الأموي في حلب، الذي يعدّ واحدا من أهم الجوامع الأثرية في سوريا، للتدمير، وأُحرقت المئات من المحال التراثيّة في الأسواق القديمة. وأكدت مديرية آثار حلب تضرّر بعض المباني والبيمارستان الأرغوني (المعروف بمتحف الطب والعلوم) في حلب القديمة، كما تعرضت قلاع المضيق، والحصن، وشيزر، والرحبة، ومدخل قلعة حلب وبرجها الشمالي للضرر أيضا.

وفي حمص تضررت كنيسة أم الزنار (ويقال إنها سويت بالأرض بعدما نهبها الدواعش)، إضافة إلى كنائس أخرى، وبعض الأسواق القديمة في المدينة نتيجة الاشتباكات. وفي درعا، دمّرت مئذنة الجامع العمري الذي تعرض إلى أضرار نتيجة سقوط قذائف عدة في صحنه وعلى مئذنته وفي محيطه، وجامع الحراك الأثري في إزرع، إضافة إلى تضرر مبنى مبرك الناقة في بصرى القديمة ومعبد حوريات الماء في بصرى ( المسمى شعبيا سرير بنت الملك).

وأوضحت دائرة آثار ادلب أن “طبيعة الحفر وأماكنه توحي باستعانة اللصوص بخبراء في البحث والتنقيب عن الآثار، إذ يتم الحفر بأسلوب منظّم، ويتركز عموما في أماكن محددة داخل الكنائس وتحت النواويس وحولها، بحثا عن دفائن وكنوز، وتؤكد المعلومات المستقاة من شهود عيان وجود الكثير من تجار الآثار والمهرّبين من المنطقة وخارجها، وخاصة من تركيا”.

واقتحمت العصابات كنيستي ودير قرية الجديدة الواقعة في منطقة جسر الشغور وقامت بتحطيم كافة الصلبان والأيقونات وسرقة إحدى عشرة أيقونة أثرية مسجلة لدى دائرة آثار إدلب، كما شهد موقع إيبلا الأثري أعمال تنقيب شرسة وكثيفة منذ بداية الأزمة، وعمد لصوص الآثار للتنقيب غير المشروع في الموقع مستخدمين آليات ثقيلة لجرف التربة في أحد الكهوف للوصول إلى نهايته، كما تم في دير الزور حفر تل السن والمدافن البيزنطية وسرقتها، واستمرار البناء المخالف ضمن الموقع والحرم الأثري.

أما في محافظة الرقة فقد هاجم المسلحون مستودعات مبنى هرقل الأثري وسطوا على مئات القطع الأثرية، علما أن عمال الآثار ردموا أبواب ونوافذ مستودعات مبنى هرقل بالأتربة الممزوجة بالطوب لحمايتها إثر تعرض المبنى إلى الاقتحام والسرقة.

 

محلات “الأنتيكة” في أوروبا

مقابل الحرص الأوروبي ومنظمة اليونسكو على حماية الآثار السورية من الهجمات والسرقة والتخريب، يتهم بعض خبراء الآثار العرب “مافيا الآثار” في الدول الأوروبية بمشاركة تنظيم داعش في تهريب الآثار السورية، وشراء التحف والتماثيل، خاصة تلك التي يسهل تهريبها في حقائب السفر.

ويقول محمد الكحلاوي، الأمين العام لاتحاد الأثريين العرب، إن العالم الغربي يشارك الدواعش في جريمة تحطيم وانتهاك سرقة الآثار السورية، مؤكدا على أن التنظيم المتطرف على اتصال بعصابات الآثار في الخارج التي تشتري التحف والتماثيل وتقوم بتهريبها إلى العواصم الأوروبية، مضيفا “أن استمرار تنظيم داعش، في تدمير الآثار السورية جاء نتيجة تقاعس الوطن العربي في التصدي له، والتوحد في مواجهته”. ويتابع قائلا “يوجد خلل واضح، ونحن نتعامل مع تراثنا وكأنه كومة من الرمال، في حين يجب التصدي لهذا التنظيم ووقف انتهاك حرمة الآثار”.

وتفيد بعض التقارير الإعلامية أن المهربين الأجانب يدخلون إلى سوريا عبر انتحالهم شخصية صحافيين ميدانيين أتوا لمتابعة الوضع الإنساني في البلاد للقيام بعملية السرقة والنهب، حيث يعمل المسلحون على التنقيب عن آثار خفيفة وثمينة من أجل بيعها لهم وشراء السلاح. ونقلت وسائل إعلامية غربية عن خبراء في مجال مكافحة تهريب الآثار أن عصابات داعش باعت قطعا أثرية منهوبة من سوريا بعد تهريبها إلى العواصم الأوروبية مثل باريس وروما وبريطانيا.

3

 

وتتضمن القطع الأثرية المنهوبة نقودا ذهبية وفضية تعود إلى العصر البيزنطي، وقطعا فخارية وزجاجية رومانية تصل قيمتها إلى مئات الآلاف من الدولارات. ولا يستغرب الخبراء من وجود هذه القطع الأثرية في المحلات التجارية في أوروبا في ظل الفوضى التي تساهم في عمليات التهريب التي تتمّ عبر طرق تؤدي إلى تركيا أو الأردن ولبنان، تعرفها مافيات الآثار جيدا.

ويقول أستاذ الآثار في جامعة لندن، مارك الطويل،”ليس صعبا أو مستغربا أن تجد بعضا من حضارة سوريا معروضة في متاجر لندن، فالسوق السوداء ورفوف متاجر الأنتيك باتت تغصّ بعشرات القطع الأثرية التي جاء بها المهرّبون من تدمر ونمرود”.

وأكّد خبير الآثار الأميركي من أصل عراقي، أن التحف والقطع الأثرية التي تنهبها وتهرّبها عصابات داعش تباع في الأسواق الأوروبية، حيث يعمل الإرهابيون من خلال شبكات منظّمة على نهب الآثار وتهريبها إلى أوروبا، مشيرا إلى أن التحف والقطع الأثرية المختلفة التي تصل إلى الأسواق الأوروبية، هي في الغالب صغيرة الحجم، بحيث يمكن تهريبها في حقائب السفر العادية، وتضمّ التماثيل الصغيرة والأواني ذات القيمة التاريخية.

ولتنظيم داعش وزارة للآثار، لكنها تختلف في مهماتها عن وزارات الآثار في الدول الأخرى التي تعمل على حماية الآثار والتحف التاريخية، في حين تعمل وزارة الدواعش على تهريب وبيع الآثار والكنوز التاريخية من المناطق التي تسيطر عليها للحصول على عائدات تقدر بعشرات ملايين الدولارات. ولا يقتصر بيع المسروقات من الآثار السورية والعراقية على الأسواق التقليدية، بل صار التجار يعرضون هذه التحف الثمينة على مواقع التسوّق في الشبكة الإلكترونية، فقد كشفت صحيفة “ديلي ميل” البريطانية، في أوائل سنة 2015، عن قيام الدواعش بعرض الآثار التي نهبوها من المواقع العراقية والسورية في موقع “إيباي” للتجارة الإلكترونية.

وقالت الصحيفة إن “مسلحي تنظيم داعش عرضوا قطعا أثرية سرقوها من مواقع أثرية تشتمل على حلي ذهبية وقطع نقود معدنية وخزفيات تعود إلى عصور ما قبل الميلاد، نُهبت من أماكن تقع تحت سيطرة داعش، هربتها المافيات إلى دول مجاورة لتجد طريقها إلى المواقع التجارية العالمية على شبكة الإنترنت.

 

المصدر: العرب

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s